recent
أخبار ساخنة

الهوية المصرية في الأدب العربي المعاصر .. حين تكتب الكلمة سيرة وطن

مصر الحرة نيوز
الصفحة الرئيسية




بقلم / نجوى فياض

ليست الهوية الوطنية شعارًا يُرفع في المناسبات ولا مصطلحًا ثقافيًا يُتداول في الكتب والندوات بل هي الذاكرة التي تحفظ ملامح الأمة والروح التي تمنحها خصوصيتها بين الشعوب وإذا كان التاريخ يدوّن الأحداث فإن الأدب هو الذي يحفظ نبض الإنسان ويصون وجدانه ويمنح الوطن صوته الذي لا يشيخ ولهذا لم تكن الهوية المصرية يومًا حبيسة الوثائق أو السجلات بل عاشت في القصيدة وتجسدت في الرواية ونبضت في المسرح حتى أصبح الأدب أحد أهم الحراس الأمناء لذاكرة مصر وقد أدرك رواد الفكر المصري منذ وقت مبكر أن قوة الأوطان لا تُقاس بما تملكه من عمران فحسب بل بما تمتلكه من وعي وثقافة وهوية وكان رائد النهضة رفاعة رافع الطهطاوي من أوائل من ربطوا بين نهضة المجتمع والحفاظ على شخصيته الوطنية ففي كتابه (مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية) وصف المصريين بقوله ( مع ما في طباع أهل مصر من الوفاء للأقارب وخلوص النية والصفاء للأجانب والتوادد والتحبب) ولم يكن هذا الوصف مجرد مديح بل قراءة مبكرة لملامح الشخصية المصرية التي تشكلت عبر قرون طويلة شخصية عرفت التسامح والتعايش والانفتاح على الآخر دون أن تتخلى عن جذورها وهي الصفات نفسها التي انعكست في الأدب المصري حيث حضرت الأسرة والجيرة والنيل والقرية والحارة بوصفها رموزًا للانتماء أكثر منها أماكن للأحداث ثم جاء سلامة موسى ليقدم رؤية مختلفة للهوية مؤكدًا في كتاباته ولا سيما كتاب (اليوم والغد) أن الأمم لا تحافظ على هويتها بالجمود وإنما بالتجدد المستمر وأن الثقافة والعلم هما الطريق الحقيقي لبناء إنسان قادر على حماية وطنه والمشاركة في نهضته لقد آمن سلامة موسى بأن الهوية ليست أثرًا من الماضي نضعه في المتاحف وإنما مشروع حضاري يتجدد مع كل جيل ولذلك دعا إلى تعليم يفتح العقول وثقافة تصنع مواطنًا يعرف تاريخه ويتطلع في الوقت نفسه إلى المستقبل أما لويس عوض فقد رأى أن الثقافة ليست ترفًا فكريًا وإنما هي القوة التي تصنع وعي المجتمع وتحفظ شخصيته ولذلك انشغل في كتاباته بدور الأدب في تشكيل العقل المصري مؤكدًا أن اللغة والفكر والإبداع هي الأدوات التي تصنع ذاكرة الأمة وأن الأمم التي تهمل ثقافتها تفقد تدريجيًا ملامحها الحضارية ومن هنا يصبح الأدب أكثر من مجرد فن جميل إنه وثيقة حضارية تحفظ صورة الإنسان في زمنه، وتمنح الأجيال اللاحقة القدرة على فهم جذورها ولعل أجمل ما يميز الأدب المصري أنه لم يقدم الوطن باعتباره حدودًا جغرافية بل باعتباره تجربة إنسانية كاملة فالنيل لم يكن نهرًا فحسب بل رمزًا للعطاء والاستمرار والقرية لم تكن مكانًا بل ذاكرة للقيم والمدينة لم تكن عمرانًا بل مرآة لتحولات المجتمع وهكذا تحولت التفاصيل اليومية إلى علامات كبرى في تشكيل الهوية المصرية حتى أصبحت الرواية والقصيدة أشبه بوثائق تحفظ وجدان الشعب أكثر مما تحفظه كتب التاريخ وفي زمن تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتداخل الثقافات وتكاد الفوارق بين الشعوب تتضاءل تبرز الحاجة إلى الأدب بوصفه الحارس الأمين للهوية فالعولمة لا تهدد الأوطان بقوة السلاح بقدر ما تهددها بذوبان الخصوصية الثقافية وهنا تتجلى قيمة الكلمة لأنها تعيد الإنسان إلى لغته وإلى ذاكرته، وإلى تاريخه وتذكره بأن الانفتاح على العالم لا يعني التخلي عن الذات لقد أثبت الأدب العربي المعاصر أن الهوية المصرية ليست ماضيًا يُروى بل حاضرًا يُعاش ومستقبلًا يُبنى وكل رواية صادقة وكل قصيدة مخلصة وكل نص يحمل نبض الإنسان المصري إنما يضيف سطرًا جديدًا في كتاب الوطن الكبير وفي الختام تبقى الهوية المصرية أعظم من أن تُختزل في تعريف أو شعار فهي قصة شعب كتب حضارته بالحجر ثم حفظها بالكلمة وإذا كانت المعابد والأهرامات قد صمدت في وجه الزمن فإن الأدب هو الذي حفظ روح مصر من النسيان وجعلها حاضرة في الضمير الإنساني جيلاً بعد جيل ولهذا ستظل الكلمة الصادقة حصنًا للهوية وسيبقى الأدب المصري شاهدًا على أن الأوطان لا يحميها السلاح وحده بل يحميها أيضًا الوعي والثقافة والإبداع والإيمان بأن هوية الأمة تبدأ من الكلمة وتستمر بها


google-playkhamsatmostaqltradent