recent
أخبار ساخنة

نصف قرن من العلاقات العمانية الإيرانية الرسمية

الصفحة الرئيسية

 


خميس بن عبيد القطيطي

https://alwatan.com/details/436406

شهد تاريخ ٢٦ أغسطس الماضي مرور ٥٠ عاما على العلاقات الدبلوماسية بين سلطنة عمان وجمهورية إيران الإسلامية، ونقتنص هذا التاريخ للحديث عن تاريخ العلاقات بين البلدين الجارين، وارتباط تلك العلاقات بالملفات السياسية والأمنية والاقتصادية في منطقة الخليج، حيث تحكم الجغرافيا السياسية طبيعة هذه العلاقات بين البلدين تعززها اعتبارات الشراكة الأمنية والإشراف على أهم المعابر المائية الدولية (مضيق هرمز)، كما أن المتغيرات السياسية وتمركز المنطقة تحت بحيرة من النفط جعلها بؤرة ساخنة تحتل أهمية قصوى في أجندة السياسة الدولية، وهنا تبرز أهمية العلاقة بين عُمان وإيران في ضوء هذه الملفات الاستراتيجية، بل برزت لاحقا حاجة عالمية لاستثمار هذه العلاقة في حلحلة ملفات دولية شائكة .

بدأت العلاقات العمانية الإيرانية الرسمية بتاريخ ٢٦ أغسطس ١٩٧١م بعد مضي عام واحد على تولي جلالة السلطان قابوس ـ طيَّب الله ثراه ـ مقاليد الحكم، وذلك في ظروف ثورة ورثها نظام الحكم الجديد في ظفار أقصى جنوب البلاد، فبرزت الحاجة لدعم قوات السلطان المسلحة لمواجهة هذه الثورة، لذا توازت الهموم الوطنية العمانية للتخلص من هذه الثورة الداخلية ذات الفكر الماركسي الشيوعي وتهديداتها السياسية مع نظام الشاه ممثل الرأسمالية الغربية بالمنطقة حينذاك. ورغم أن ثورة ظفار تم احتواء جزء كبير منها بالفكر السياسي الحكيم لجلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله ـ إلا أن الأعمال العسكرية التي شارك فيها سلاح الجو البريطاني ووحدات من القوات الخاصة الأردنية إلى جانب القوات الإيرانية سجلت فارقة في تحديد نهاية سريعة للثورة وإعلان انتصار الجيش السلطاني العماني بتاريخ ١١ ديسمبر ١٩٧٥م. ومع قيام الثورة الإسلامية في إيران في فبراير عام ١٩٧٩م كانت البراجماتية السياسية العمانية سباقة للقبول بالواقع السياسي الذي اختاره الشعب الإيراني فتعاملت سلطنة عمان مع النظام الجديد بكل واقعية وذلك لاعتبارات الجغرافيا السياسية والشراكة الأمنية التي تفرض نفسها في منطقة تتطلب مزيدا من التنسيق الأمني بين البلدين، ومضت تلك العلاقات بشكل متقدم رغم نشوب الحرب العراقية الإيرانية التي أخذت فيها سلطنة عمان مسارا محايدا، واستثمرت لاحقا بالدعوة إلى وقف إطلاق النار، حيث كانت السلطنة طرفا موثوقا بين العراق وإيران حتى تم وقف إطلاق النار في ٨/٨/ ١٩٨٨م، بل مارست السلطنة أدوارا مضيئة في تلك المرحلة التاريخية، وحافظت على علاقات متزنة مع الجميع، خصوصا مع جمهورية إيران الإسلامية، ورغم اشتداد التوتر بين جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة بعد حرب الخليج الثانية، وتهديد إيران باغلاق مضيق هرمز، فكانت السياسة العمانية تحتفظ بهدوئها المعتاد وتنسيقها الدائم مع إيران حول سلامة وأمن الملاحة في منطقة الخليج .

استمرت العلاقات بين مسقط وطهران قدما بعد الاحتلال الأميركي للعراق، ولعبت السلطنة أدوارا حيوية أسهمت في حلحلة عدد من القضايا الشائلة منها احتضان مسقط المفاوضات النووية وتوقيع اتفاقية الإطار بين إيران والولايات المتحدة عام ٢٠١٥م، حيث فاجأت العالم بإعلان ذلك الاتفاق، الذي أعقبه توقيع أهم اتفاق دولي في فيينا بين إيران ومجموعة (٥+١) وإنهاء صداع مزمن وتوترات أمنية دائمة في منطقة الخليج، ورغم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في إدارة الرئيس دونالد ترامب إلا أن هناك جهودا مكثفة في فيينا للعودة إلى الاتفاق النووي، كما أن السلطنة لعبت أدوارا رئيسية في قضايا أمنية متعددة منها احتواء التوترات في منطقة الخليج والأزمة في سوريا والحرب على اليمن وجميعها تطلبت التنسيق مع إيران، بل تطابقت وجهات النظر بين البلدين في ملفات عديدة، وجاءت زيارة جلالة السلطان قابوس ـ غفر الله له ـ إلى طهران بعد انتخاب حسن روحاني كأول حاكم عربي يصل إلى إيران مرتبطة بتلك السياقات الأمنية والسياسية، واستكملت تلك العلاقات تفردها بين السلطنة وجمهورية إيران الإسلامية في عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الذي كان سباقا للاتصال بجلالة السلطان هيثم بعد توليه الرئاسة مباشرة وذلك تأكيدا لعمق تلك العلاقات الاستراتيجية بين البلدين .

تمتلك جمهورية إيران الإسلامية رؤية شاملة لتضاريس المنطقة السياسية، وتسعى إلى فتح آفاق رحبة مع بقية دول الإقليم، وإنهاء الملفات الشائكة من خلال البوابة العمانية، حيث تدرك إيران أهمية الأدوار الإيجابية التي تقوم بها سلطنة عمان من أجل خلق بيئة مواتية للحوار مع دول المنطقة، وخصوصا مع المملكة العربية السعودية. ولا بد من الإشارة إلى أن إيران دعمت عددا من القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ودعمت صمود سوريا في مواجهة الأزمة الراهنة التي أكملت عقدها الأول وما زالت إيران أحد أهم أضلاع محور المقاومة في المنطقة تقدم نفسها كقوة مهيمنة إقليميا من بحر قزوين مرورا بالخليج وانتهاء بالمتوسط، ما جعلها في دائرة المواجهة مع القوى الدولية، وتدرك السلطنة تلك المعطيات وتوظف دبلوماسيتها المعهودة في التهدئة كلما ارتفت وتيرة التوترات .

الجانب الاقتصادي ورغم أهميته القصوى كإحدى ثمار تلك العلاقات الوطيدة بين عمان وإيران ما زال يحمل طموحات أكبر بين الجانبين على الرغم من وجود اتفاقيات اقتصادية ومنافذ مهمة تربط البلدين من خلال ميناءي صلالة على بحر العرب وصحار على بحر عمان ولاحقا ميناء السويق، إلا أن التبادل التجاري والاستثمار والشراكة الاقتصادية ما زالت تحت سقف الطموحات التي تتوازى مع تلك العلاقة المتميزة بين البلدين الشقيقين، لذا يتطلب توسيع عملية التبادل التجاري بشكل أكبر لتحقيق مستقبل اقتصادي واعد .

العلاقات بين سلطنة عمان وجمهورية إيران الإسلامية تحكمها الأبعاد التاريخية والحضارية كبلدين يحملان إرثا كبيرا وعلاقات تاريخية قديمة، وتُعد العلاقات العمانية الإيرانية من العلامات الفارقة في تاريخ العلاقات الدبلوماسية على صعيد العلاقات الدولية، وحققت نتائج مثمرة للبلدين والمنطقة، والتعويل عليها كثيرا في الاضطلاع بملفات جيواستراتيجية يؤمل منها أن تهيئ الأرضية الملائمة لعلاقات عربية إيرانية نموذجية تحمل نفس المزايا والأبعاد للعلاقات العمانية الإيرانية .


[email protected]

google-playkhamsatmostaqltradent