recent
أخبار ساخنة

قوة المصري القديم في مرآة الأدب..بقلم نجوي فياض..

مصر الحرة نيوز
الصفحة الرئيسية




 لم تكن قوة المصري القديم قوة السيف وحده ولا قوة الجسد فحسب بل كانت قبل كل شيء قوة الروح والعقل والإرادة فمنذ أن وقف الإنسان المصري على ضفاف النيل وهو يخوض معركة طويلة ضد الفوضى والطبيعة والمجهول حتى استطاع أن يبني واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ وقد أدرك الأدب العربي الحديث هذه الحقيقة فرأى في المصري القديم نموذجًا للإنسان القادر على تحويل الألم إلى بناء والخوف إلى حضارة والزمن إلى خلود

إن المتأمل في تاريخ مصر يدرك أن سر عظمتها لم يكن في اتساع أرضها بل في قدرة أبنائها على التنظيم والعمل والصبر لقد أقام المصري المدن وشق الترع وبنى المعابد والأهرامات وترك تراثًا إنسانيًا لا يزال يبهر العالم حتى اليوم وهذه القوة لم تكن لحظة عابرة بل كانت طاقة متجددة تسري في وجدان المصري عبر العصور وقد عبّر الأديب الكبير نجيب محفوظ عن هذا المعنى حين قال في روايته أمام العرش ( إن مصر لا تموت، وكلما ظن الناس أنها انتهت بعثت من جديد ) وهذه العبارة ليست مجرد وصف تاريخي بل هي رؤية أدبية تكشف عن طبيعة الشخصية المصرية التي عرفت كيف تنهض بعد كل محنة فالمصري القديم واجه الغزو والمجاعات وتقلبات النيل ومع ذلك ظل قادرًا على إعادة بناء حياته من جديد ومن منظور الأدب تبدو قوة المصري القديم مرتبطة بفكرة الخلود فالإنسان المصري لم يكن يرى الحياة لحظة عابرة بل كان يؤمن بأن العمل الصالح والنظام والعدل هي الطريق إلى البقاء ولهذا امتلأت النصوص المصرية القديمة بالحكمة والدعوة إلى الاستقامة واحترام الإنسان وقد التقط الأدباء العرب هذه الروح فرأوا أن الحضارة المصرية قامت على أخلاق العمل والانضباط قبل أن تقوم على الحجر ويقول الدكتور مصطفى محمود في كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان ( إن الحضارة لا تقوم إلا على الإنسان، فإذا فسد الإنسان انهارت الحضارة مهما بلغت من القوة ) وهذه الفكرة تفسر سر بقاء الحضارة المصرية آلاف السنين إذ لم يكن البناء المادي وحده هو الأساس بل كان الإنسان المصري نفسه هو حجر الزاوية في هذا الصرح العظيم كما أن قوة المصري القديم تتجلى في قدرته على التمسك بالأرض فالنيل لم يكن مجرد نهر بل كان شريان الحياة ورفيق الروح ومن هنا ارتبط المصري بأرضه ارتباطًا وجوديًّا حتى أصبحت الزراعة والعمل والإنتاج جزءًا من شخصيته وقد وصف الشاعر أحمد شوقي مكانة مصر بقوله : وطني لو شُغِلتُ بالخلد عنهنازعتني إليه في الخلد نفسي وعلى الرغم من أن شوقي يتحدث عن مصر الحديثة فإن إحساسه العميق بالانتماء يمتد بجذوره إلى ذلك التاريخ السحيق الذي صنعه المصري القديم بيديه وقلبه إن الأدب لا ينظر إلى الأهرامات بوصفها أحجارًا صامتة بل يراها قصيدةً طويلة كتبتها أيدي العمال والفنانين والمهندسين والكهنة ففي كل حجر حكاية وفي كل ممر أثر لإنسان آمن بأن عمله سيبقى بعد رحيله وهذه هي القوة الحقيقية : أن ينجح الإنسان في الانتصار على الزمن ويؤكد المفكر جمال حمدان في كتابه العظيم شخصية مصر هذه الحقيقة حين يقول ( مصر ليست مجرد وطن يعيش فيه المصريون بل هي وطن يعيش في المصريين ) ومن خلال هذه العبارة نفهم أن قوة المصري القديم لم تكن منفصلة عن جغرافيته فقد صنعت الأرض شخصيته وصنع هو تاريخها ولذلك بقيت مصر رغم ما مرت به من عصور ضعف واحتلال قادرة على استعادة توازنها من جديد ومن أروع ما يلفت النظر في الشخصية المصرية القديمة أنها جمعت بين الصلابة والرحمة فقد عرفت النظام والدقة لكنها عرفت أيضًا الفن والموسيقى والشعر والحكمة وهذه الثنائية هي التي منحت الحضارة المصرية عمقها الإنساني فالقوة التي لا يرافقها جمال تتحول إلى قسوة أما المصري القديم فقد استطاع أن يبني المعابد ويرسم الجداريات ويكتب الحكم والأناشيد في الوقت نفسه لقد أدرك الأدب العربي أن مصر القديمة ليست صفحة من الماضي بل هي جذور ممتدة في الحاضر فكلما قرأنا تاريخها وجدنا فيه درسًا عن الصبر والعمل والإيمان بالقدرة على النهوض ومن هنا فإن قوة المصري القديم لم تكن قوة حاكم أو جيش فحسب بل كانت قوة شعب كامل عرف كيف يحول النيل إلى حياة والصحراء إلى عمران والسنين إلى حضارة خالدة وفي الختام نستطيع القول إن الأدب حين يتأمل المصري القديم لا يراه تمثالًا جامدًا بل يراه إنسانًا عظيمًا حمل معوله بيد وحلمه باليد الأخرى فشيّد حضارة قاومت الفناء ولذلك ظل اسم مصر حاضرًا في ذاكرة الإنسانية وظلت قوة المصري القديم رمزًا لقدرة الإنسان على صنع الخلود حين يجتمع الإيمان والعمل والإرادة
google-playkhamsatmostaqltradent