هل ما نراه عن مصر اليوم حقيقة كاملة… أم سردية تُصنع بعناية؟
وهل يُعقل أن تُختزل حضارة تمتد لآلاف السنين في مقطعٍ عابر، أو عنوانٍ صادم، أو روايةٍ مجتزأة؟ نحن لا نعيش فقط زمن خبرٍ يُنقل… بل زمن خبرٍ يُصنَع، وزمنٍ تُدار فيه الانطباعات كما تُدار الأسواق. وفي هذا الزمن، تصبح الصورة أداة… لا مرآة. لماذا التشويه؟ ولماذا مصر بالذات؟ لأن مصر ليست بلدًا عاديًا… مصر فكرة، وزن، مركز، وتاريخ لا يمكن تجاوزه. مصر التي جاءت أولًا… ثم جاء التاريخ ليكتبها. مصر التي تعلّم منها العالم معنى الدولة، والنظام، والاستمرار. مصر التي لم تُهزم حين سقطت حولها إمبراطوريات… لأنها لم تكن قائمة على قوة عابرة، بل على إنسانٍ يعرف كيف يعيد البناء كل مرة. وحين تكون بهذه المكانة… فإن التشويه لا يكون عبثًا… بل استراتيجية. لتقليل القيمة لإضعاف الثقة لإعادة تشكيل وعي أبنائها قبل غيرهم لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة… أن تتخلى عن صورتها في عيون نفسها. حين تُختطف الصورة نرى مشهدًا سلبيًا… فيُعاد نشره آلاف المرات نرى حادثة فردية… فتُقدَّم كأنها قاعدة نرى خللًا… فيُضخَّم حتى يُغطي على كل إنجاز وفي المقابل… تمرّ الإنجازات مرور الكرام تُبنى الطرق، تُقام المشروعات، تتوسع المدن، تتغير البنية… لكنها لا تُباع… لأنها لا تُصدم وهنا يحدث الخلل الحقيقي: ليس في الواقع… بل في ما يُقدَّم لنا منه مصر التي لا تُرى في “الترند” بينما تُستهلك اللقطات السريعة… هناك واقع آخر يُبنى: بنية تحتية تُعيد رسم الخريطة الاقتصادية توسع في الطاقة المتجددة يعيد تموضع مصر إقليميًا مدن جديدة تُخفف الضغط وتعيد توزيع الحياة استثمار في التعليم والمهارات وبرامج حماية اجتماعية تمسّ حياة الملايين هذه ليست دعاية… هذه مسارات دولة تُقاس بالسنوات لا بالثواني المسؤولية… تبدأ من الداخل الأخطر من التشويه الخارجي… هو حين نُصبح نحن أدواته. حين نُعيد نشر كل ما يُسيء… حين نُضخّم كل سلبي… حين نتحاور فقط في “القبح”… فنحن لا ننقل واقعًا… نحن نُشارك في صناعته ركزوا جيدًا: أنتم من تُشعلون شرارة التشويه… لتتحول إلى نار تلتهم صورة بلدكم الدين… حين يُستخدم لا حين يُفهم لو كان فيهم خير… ما تاجروا بدينهم… ومن يتاجر بدينه… يسهل عليه أن يتاجر بوطنه. الدين لم يكن يومًا دعوة لهدم الأوطان… بل لإصلاحها… لم يكن وسيلة للتفريق… بل للاعتصام قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ فأين الاعتصام… حين يُستقوى بالخارج على الداخل؟ وأين الدين… حين يُستخدم لتبرير الفوضى لا لردعها؟ لو كانوا على حق… لما سعوا وراء خراب بلدهم ولما استنجدوا بغيرها ضدها ولكان أول رجوعهم… إلى كتاب الله مصر… وعد الأمن والاستقرار قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وهذا ليس نصًا يُتلى فقط… بل واقعٌ يتكرر انظر حولك: سوريون ليبيون سودانيون حين تقطعت بهم الأسباب… لم يجدوا إلا مصر هذا ليس صدفة… هذا امتداد لمعنى… أن مصر كانت وستظل موضع أمان حين تضطرب الدنيا “خير أجناد الأرض”… مفهوم أوسع ليست فقط جنديًا على الجبهة… بل كل مصري يعمل، يجتهد، يكد، يبني العامل في موقع البناء الطبيب في مستشفى المعلم في فصله الأم في بيتها كلهم… جنود في معركة البناء المصري… حين يضيق به الحال هذا الإنسان الذي قد يمر بظروف قاسية… لا ينكسر… بل يتكيّف كما نقول بالعامية: “يصنع من الفسيخ شربات” أي يحوّل الضيق إلى فرصة… والسقوط إلى بداية وهذا ليس تعبيرًا عابرًا… بل وصفٌ دقيق لقدرة متجذّرة في الشخصية المصرية نداء… لا يحتمل التأجيل قوّا يا أبناء هذا البلد… ليس بالصوت… بل بالوعي لا تكونوا أداة في تشويه بلدكم ولا وقودًا لحريقٍ يبدأ بصورة… وينتهي بهوية انتبهوا… فمن يقلل من وطنه… يقلل من نفسه ومن يهدم صورته… يهدم مستقبله الخلاصة مصر ليست “ترند”… ولا “لقطة”… ولا “رواية يُعاد تدويرها” مصر حقيقة أكبر من كل ذلك وفي زمنٍ تُصنع فيه الصور… يبقى السؤال الحقيقي: هل سنرى مصر كما هي… أم كما يُراد لنا أن نراها؟ وأنا… اخترت أن أراها كما تستحق.
