recent
أخبار ساخنة

ركائز للأمن الفكري بقلم علي بن سليمان الجهضمي

الصفحة الرئيسية


 

في هذه السلسلة سأعرض بعض النقاط التي طرحتها في مشاركتي في ندوة الأمن الفكري:

الركيزة الأولى والأهم لتحقيق الأمن الفكري:
الاهتمام بغرس الفكر الصحيح في الأجيال منذ الصغر وغرس العقيدة الصحيحة وتربيتهم على فهم الإسلام الفهم العميق الذي يجعلهم ينظرون إلى دينهم على أنه منهج حياة يحياه المؤمن بتفاصيله فهو مسلم في العقيدة والسلوك، مسلم في الفكر والمبدأ، ومسلم في النهضة والحضارة، وهو خليفة الله في هذا الكون ومهمته الإصلاح وعمارة الأرض، انطلاقا من مبدأ الاستخلاف الذي يحقق معنى العبودية لله عز وجل.
ومن الخطأ الفادح فهم الإسلام بصورة نمطية ضيقة مقتصرة على بعض جوانب الحياة دون بعض وإذا اقتصر فهم المسلم لمعنى الاستقامة أنها تتحقق في المسجد مثلا أو في بعض العبادات فقد خسر روح الإسلام وأصبح شكلا بلا مضمون، وجسدا بلا روح، بل صار مثالا سيئا يشوه الإسلام إذ لا يتخلق بأخلاق الإسلام ولا يحيا روح معانيه السامية.
 
(2)
إن منهج التأسيس الإيماني الصحيح هو المنهج النبوي الذي ربى عليه المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه صحابته حتى صاروا رسل سلام وحضارة وتهاوت أمامهم أصنام الضلال وزيف الباطل، يمضي أحدهم لنشر النور الرباني وقد أشرب حب الله ورسوله، فلم تك للشبهات والشهوات سبيلا عليه لأنها تتلاشى أمام إيمان شامخ كالجبال الرواسي؛ ولذلك كانوا يصدرون الفكر والمبدأ، ولا يستوردون الشبهة والباطل فقد تشبعوا بالفكر الصافي من الحضرة النبوية.
 
(3)
وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة في العهد المكي وكان يركز على بناء العقيدة وترسيخها وتحرير العقول والقلوب من ربقة الشرك والهوى؛ ولهذا كانت الآيات التي نزلت في العهد المكي تركز على الإيمان والتوحيد والأخلاق أكثر من العبادات العملية التي نزلت تفاصيل أحكامها في العهد المدني، وما ذلك إلا لتقوية البنيان الفكري الذي يكون محصنا من الملوثات الفكرية خصوصا عند الاحتكاك بالحضارات المختلفة والأديان المتعدد والثقافات المتباينة
 
(4)
إن الذي ينشأ على فكر سليم مستمد من المورد العذب يميز عند تفاعله واتصاله بالحضارات الأخرى بين حسن المعاملة والاستفادة من الجوانب العملية للآخرين، وبين الانصهار في قوالب الحضارات الأخرى، والانبهار بالقشور، والانهزامية وطمس الذات.
ولذلك نجد أن الذي ينشأ ضعيف الإيمان قليل الإدراك، فارغ الفكر فإن عواصف الفتن وظلمات الشبهات تعصف به حيثما وجد فكرا مخالفا للإسلام، ولا يجد من جذور الثبات على المبدأ ما يعينه على تمييز الحق من الباطل.
وهذا يزداد سوءا عندما يحمل الجيل المسلم جذور البلاء والانهزامية من واقعه الذي يعيش فيه من تناقضات تزلزل أركانه وتقذف به في أتون الفتن وقد تملكته الانهزامية والانبهار بالآخر والنقمة على واقعه المتردي بسبب سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلده المسلم الذي يبتعد واقعه عن المثل العليا التي ينادي بها دينه.
 
(5)
تحصين الفكر وتزكية النفس:
إن أبرز ما ينبغي تسعى إليه الأمة لتحصين الفكر وتقوية الجانب الإيماني أن تعنى بتربية الأجيال على تزكية النفس، فإن أخطر الملوثات الفكرية التي قد تفضي بصاحبها إلى مزالق الكفر إنما تكمن جذور البلاء فيها إلى عدم تزكية النفس وتطهيرها، فهناك ممن يتبنى الفكر المنحرف كالإلحاد وغيره إنما تردى في هذا القاع بسبب أمراض النفس، تلك الأمراض التي حالت دون إيمان كثير ممن سبق ممن كذبوا الرسل وحادوا عن الصراط، وقد قص علينا القرآن كثيرا من النماذج التي كان كفرها وطغيانها وترديها في قاع الشبهات والشهوات إنما مرده إلى أمراض النفس
 
 
 
(6)
الكبر والشبهات في خدمة الشهوات:
وهو ما منع فرعون وملأه من الإيمان من يقينهم بصدق موسى عليه السلام، يقول الله تعالى:" وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"، فما حمل فرعون وملأه على جحود تلك الآيات البينات إلا ما استقر في نفوسهم من الكبر والطغيان ولذلك سعى فرعون بكل السبل أن يصد عن سبيل الله تعالى، فقد وظف الشهوات والشبهات في ذلك، فقد استخدم الترغيب والترهيب في حث قومه على تكذيب موسى كما أطلق العنان للشبهات التي تحاول الطعن في رسالة موسى عليه السلام فقد رمى موسى بالسحر والسعي للعلو في الأرض والبغي ومحاولة الفساد، وذلك عبر قلب الموازين وبث الدعاية الإعلامية السوداء إذ وصف دعوة التوحيد والتحرر من نير العبودية للبشر بالفساد، وادعى أنه يسعى للإصلاح بقتل موسى وتعذيب من معه وقد أيده في ذلك حاشيته والمنتفعون بجوره وبطشه، يقول الله تعالى:"وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ"، ويقول سبحانه:"وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ".
 
وفي هذا ما يشير إلى أن الدعاية السوداء (والبروباجندا الجائرة) أداة مستخدمة منذ القدم إلا أن وسائلها تختلف باختلاف العصور، وتطور الأساليب، فقلب الموازين يتقنه أهل الضلال من خلال سموم الشبهات، التي تمهّد لهم الوصول إلى الشهوات.
 
(7)
ومن أسوأ ما يقع من بعض المتصدرين للشهرة أنه قد يستمع لبعض المقاطع أو يقرأ مقالا في وسائل التواصل الاجتماعي فيتوهم أنه قد أخذ بكل دقيقة وجليلة في ذلك الموضوع فتجده يرد على العالم الفلاني وينتقد الفكرة الفلانية وليس عنده شيء من أدوات الاستنباط بل قد يكون جاهلا بأبجديات علوم اللغة والفقه والتفسير ولكنه ظن أن تلك الكلمات التي استمع إليها كافية لأن يقول هذا هو القول الراجح وذلك قول باطل لا دليل عليه، وهذه آفة من آفات العصر أخرجتها إلى الساحة المنظورة وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت منبرا لكل أحد.
 
(8)
التعامل الحكيم في دفع الشبهات وإظهار الفكر الصحيح:
ويمكن إجمال الحديث عن هذه الركيزة في عدة نقاط:
أولا: ينبغي أن يدرك المسلم أن هناك العديد من الشبهات قد لا يستحضر كل مسلم الرد عليها حين طرحها، فالناس على درجات مختلفة في العلم، وعلى مراتب شتى في الإدراك وسرعة البديهة واستحضار الأدلة من العقل والنقل، وهذا لا يعني بحال من الأحوال قوة الشبهة وصحتها، ولذلك ينبغي أن يترك أمر الرد على الشبهات وتفنيدها وكشف زيفها لمن يملك القدرة العلمية على ذلك، فإن لكل مقام مقالا وإن لكل فن رجالا، ومن الوارد جدا أن يحتاج المسلم للبحث والنظر لهدم تلك الشبهات.
ثانيا: أن الحوار والنقاش إنما يكون عندما تتوخى مصلحة جلية، فليس كل من يثير شبهة يستحق الرد، فهناك متسلقون إلى الشهرة عبر إثارة الشبهات دون أن تكون هناك جدوى من الحوار معهم ويتجلى ذلك من خلال طريقة طرحهم للشبهات وأسلوبهم القائم على الاستفزاز والسخرية.
 
(9)
التعامل الحكيم في دفع الشبهات وإظهار الفكر الصحيح:
ثالثا: ينبغي لمن أراد الحوار أن يعلم حدود من يحاوره وإمكانيات الجدل لديه، فلا يصح أن يتصدر للحوار من لم يكن ذا خلفية علمية قوية ويحاول التصدر لحوار من أشربوا حب الشبهات سنوات طويلة فهؤلاء قد خبروا التلبيس والتدليس في الحوار مما يظهر المبتدئ أمامهم ضعيفا بل قد يزعزع فكره عندما يجد نفسه عاجزا الرد والتفنيد.
رابعا: الحوار يبنى على أرضية مشتركة قبل الدخول في التفاصيل، فهناك كثير من الحوارات العقيمة بسبب عدم الاتفاق على المقدمات التي يسلم بها الطرفان.
خامسا: النقاش والحوار في قضية ما فرع عن التصور الصحيح، والعلم الحقيقي فالعلم أولا بجوانب القضية ثم الحوار حول المعطيات الصحيحة.
سادسا: التفطن للمغالطات المنطقية التي يكون قصد المحاور منها إحراج الطرف الآخر فقط وذلك من أجل التسليم بالنتيجة التي يريها دون وجود حجة سليمة أو معطى سليم، ولذلك كما أشرنا في النقطة الأولى عدم التفطن للرد في الحال لا يعني قوة الحجة فهناك ما يمكن تسميتها بألغام المغالطات المنطقية.
 
(10)
التعامل الحكيم في دفع الشبهات وإظهار الفكر الصحيح:
سابعا: مراعاة الأسلوب المناسب في عرض الفكرة والحوار حولها، فرب حقٍّ شُوِّه بسوء الأسلوب في عرضه، ورب باطل زين بأسلوب جذاب في عرضه، وقد دعانا الله تعالى إلى اتخاذ الحكمة والموعظة الحسنة مع الجدال بالتي هي أحسن "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل 125).
ومع تطور الإعلام والاتصال ووسائل العرض كان لزاما أن تتضمن كل وسائل الدعوة المكتوبة والمسموعة والمرئية الحكمة والموعظة الحسنة مع اتخاذ منهج الحوار بالتي هي أحسن.
ثامنا: أكثر الشبهات إنما تكون تكرارا لطرح سابق من ملحدين أو مستشرقين أو غيرهم ممن بذلوا جهدهم في تحري كل ما يمكن أن يلبس الحق بالباطل، ويأتي من بعدهم ممن تصادف تلك الشبهات هوى في أنفسهم ليكرِّروا تلك الشبهات وكأنها اكتشاف جديد لم يسبقوا إليه ولم يتفطن أحد لذلك وربما اختلف عرضها وطريقة طرحها فقط، ولذا كان من المهم رد الشبهات بالحكمة حيث تعالج من جذورها وترد إلى تاريخها وتجتث من جذورها.
 
(11)
ضرورة القضاء على دوافع التمرد الفكري ومحاربة بيئة الأوحال التي تنشأ فيها الأفكار المنحرفة:
إن تبني الأفكار المنحرفة قد تكون أصوله راجعة إلى بذرة تمرد وسخط على الواقع وتكمن تلك البذور حتى تجد البيئة الحاضنة لتطورها، فيجد صاحبها فرصة سانحة للتشفي وإعمال سخطه على الواقع، ولذلك يتبنى بشدة تلك الأفكار لأنه يجد فيها ما يهاجم به الفكر السائد في المجتمع ويصحبه انبهار بالآخر الذي يرى فيه الفردوس الفكري المنشود.
 
 
(12)
وقد كنا في حوار مع الدكتور عمرو شريف مؤلف كتاب "رحلة عقل" حول دوافع الإلحاد وسبب تبني الملحدين لهذا الفكر فشبه الإلحاد بجبل الجليد يظهر منه جزء فقط قد يكون في حدود الثلث أما الثلثان فهما خفيان لا يظهران على السطح، فما يظهره الملحد من حجج ويدعي أنها براهين إنما هي الجزء الظاهر فوق السطح، أما الحقيقة المخفية تحت السطح فهي أمراض نفسية وتجارب اجتماعية مؤلمة، وتصورات نفسية معقدة وهروب من الأسئلة اليقينية التي تلح عليه بوجوب التسليم لله تعالى؛ ولذلك يحاول التمسك بالشبهات التي يدعي أنها عقلية من أجل إضفاء المصداقية على إلحاده.
 
(13)
التناقض بين المبادئ المعلنة وبين الواقع:
عندما ينشأ الإنسان في مجتمع يرفع شعارات العدالة الاجتماعية والمرجعية الإسلامية في الإنصاف والمعاملة المبنية على الحق ولكنه يجد أن هناك فجوة عميقة بين الواقع وتلك المبادئ المثالية فإن يجد في نفسه سخطا على الزيف الموجود في مجتمعه، وربما يزداد الأمر سوءا عند وجود التبرير والتسويغ لغياب قيم الحق والعدل من قبل بعض النخبة المثقفة في المجتمع والإعلام الموجه فإن ذلك من دواعي نشوء التمرد والسخط، فإذا لم يجد من يوجهه الوجهة الحسنة في السعي للصلاح والإصلاح فإنه يجد في الأفكار تلك ما يمكنه أن يعبر عن سخطه بالغلو التطرف، وقد يكون ذلك على مستويات مختلفة من الغلو.
ومع تعدد مصادر المعرفة وسهولة الوصول إليها وتنوع الأفكار وطرق عرضها فسوف يجد فيها متنفسا للتعبير عن سخطه من تلك التناقضات ولو بالفكر المتطرف بل قد يكفر بكل فضيلة في مجتمعه.
 
 
(14)
غياب العدالة في توزيع الثروات:
عنما ترفع الشعارات التي يروج لها الساسة وصناع القرار كالحفاظ على ثروات الوطن وطاقاته البشرية ويجد الناشئ في هذا المجتمع أن أصحاب تلك الشعارات إنما يقتاتون بها على حساب عامة الناس، فيكون من نصيب العامة جميع المغارم ومن نصيب أصحاب الشعارات جميع المغانم، فذلك يمهد لحالة عصيبة من السخط على الواقع وزيف بعض النخبة الذين تكون مهمتهم التبرير والتسويغ والتطبيل، مما يولد ردات فعل ساخطة، وردات الفعل في كثير من الأحيان تكون غير متزنة خصوصا إذا ظهرت في ظرف زمني عصيب.
 
(15)
الاعتماد على البروباجندا التقليدية لتبرير التناقضات:
من أسوأ ما يثير السخط الاجتماعي أن تبرر بعض النخبة ووسائل الإعلام تناقضات الواقع مع وقع الترغيب والترهيب والتطبيل، وذلك بالاعتماد على البروباجندا التقليدية التي تجاوزها الزمن وأصبح فيها تأثير الوسائل الأخرى أكثر وقعا وأوسع نطاقا، فالأفكار البالية يتجاوزها الزمن وتطرح في مقابلها كل البدائل على الفضاء الافتراضي المفتوح الغث منها والسمين، والصحيح والباطل.
 
(16)
المقارنات الزائفة وحالة الإحباط من الواقع والانبهار من الآخر:
إن مما يغرس الانهزامية ويكرس حالة الإحباط لدى بعض الشباب وجود المقارنات غير العادلة بين المجتمعات المختلفة، ومع تداخل الثقافات واختلاط الشعوب تتولد مقارنات غير سوية بين المجتمعات فقد ينظر إلى مجتمعه بنظرة سوداوية تطمس كل جميل فيها، وينظر للمجتمعات الأخرى نظرة انبهار تتغاضى عن كثير من المآسي فيها، ومن هنا كان استيراد النماذج من المجتمعات الأخرى خطرا لما يتضمنه من استيراد الحسن والسيء بل قد يقتصر على استيراد القشور والمظاهر.
 
(17)
التحرر من عقدة الضعف والانهزامية:
إن سنن الله تعالى في خلقه ثابتة لا تتغير، ومن أتقن عمله الدنيوي فقد أخذ بأسباب التقدم الاقتصادي، فمن العجز توهم أن المرحلة التي يحياها المسلمون في الوقت الحالي هي الأصل الملازم لهم، وأن هناك من الأمم من قطعت أشواطا في عالم التقدم التقني والاقتصادي لا قبل للعالم الإسلامي بالوصول إليها، وأن تأخر المسلمين هو القدر الغالب عليهم، فالحق أن من عمل واجتهد نال من نصيب الدنيا، وليس النجاح حكرا على أحد فالتزام النظام، والأمانة في العمل، والإنتاج، والتفكير الإبداعي في تطوير سبل العيش، واحترام المواعيد، وحكم ذوي الخبرة (التكنوقراط)، واحترام التخصص، والنظافة، واحترام المال العام، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الفردية الضيقة، والتحرر القناعات السلبية – كلها مقدمات منطقية لنتيجة حتمية، وهي وجود تقدم اقتصادي مهما كان المجتمع الذي طبقها.
 
(18)
عدم استيراد الحلول من الآخرين دون تنقيح وتصفية:
إن نقل الحلول كما هي عليه دون تهذيبها جرم في حق المجتمع فينبغي أخذ الصحيح السليم من كل حضارة، فالحكمة ضالة المؤمن، وعندما يتبنى الساسة وصناع القرار محاولة نقل الأنظمة بحذافيرها إلى دولهم النامية فهم يرتكبون جناية تاريخية كبرى في حق أوطانهم بل يحمِّلون تبعات السياسات المعوجة للأجيال القادمة، فهم ينقلون الغث والسمين دون تنقيح ويتيحون المجال لحيتان الرأسمالية مما يجعل أوطانهم عُرْضَةً لفخ الديون والسيطرة الرأسمالية الخارجية، كما يفصل بين المجتمع وهويته ودينه ومبادئه.
ولذلك كان الواجب اختيار الصواب من كل تجربة والأخذ بأسباب النجاح والحضارة، والحذر أشد الحذر من أن يستورد الحل أو النموذج مع السموم التي تشوبه.
ومن الانهزامية أن يتصور المسلم أن الأخذ بأسباب التقدم في مجالات الحياة المختلفة لا يتم إلا بالذوبان في الآخر، ولا يتحقق إلا بنسيان الهوية، والقطيعة مع الماضي، وفي الواقع لم يظفر من قرر نسيان هويته بالتقدم الاقتصادي ولم يظفر بعزة انتمائه بل صار حارسا بلا هوية يحمي مصالح غيره
google-playkhamsatmostaqltradent